أبي منصور الماتريدي

449

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ولا يدخل فيه ما لم يذكر ؛ لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض ، والأعمى ، والأعرج ، وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار ، ثم لم يدل ما ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر ؛ فعلى ذلك خبر الربا .

--> - فيما ينسبه إليه الناسبون - عن سنة عملية رآها بنفسه من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أو حفظها منه ، بل كان اجتهادا منه ؛ ولذا لما بين له أبو سعيد الخدري خطأه في ذلك لم يقو على الدفاع عن رأيه ، ولم يبين لأبي سعيد سنة حفظها عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، بل اعترف لعمر وابنه أنهما حفظا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما لم يحفظ . ورجع عن رأيه ، بل استغفر الله منه ، وعده ذنبا أذنبه فلا يليق بفقيه عنده مسكة من دين أن يرتب ثمرة على رأي رجع عنه صاحبه ولا يعده خلافا ، بل يجب المصير إلى رأي الجمهور ، فيد الله مع الجماعة . ويحسن أن نذكر هنا نصوص بعض العلماء والمصنفين في الموضوع ؛ قال الترمذي على حديث أبي سعيد : العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وغيرهم . قال البيهقي في المعرفة : بأنه يحتمل أن الراوي اختصره ، فيكون النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الربا في صنفين مختلفين ذهب بفضة أو تمر بحنطة فقال : « إنما الربا في النسيئة » فأداه دون مسألة السائل قال : وكبار الصحابة كلهم يقولون بربا الفضل . وعثمان بن عفان وعبادة بن الصامت أقدم صحبة من أسامة ، وأبي هريرة ، وأبو سعيد أكثر حفظا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد وردت أحاديثهم بذلك ، فالحجة فيما رواه الأكبر ، والأحفظ ، والأقدم أولى ) . والذي روى رجوع ابن عباس أشخاص كثيرون منهم جابر بن زيد وابن سيرين والحازمي في الناسخ والمنسوخ ومسلم ، أخرج مسلم عن أبي نضرة قال : ( سألت ابن عباس عن الصرف فقال : إلا يدا بيد فقلت : نعم قال : فلا بأس فأخبرت أبا سعيد فقال : أو قال ذلك ؟ ! إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه ) . وله من وجه آخر عن أبي نضرة : سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف ، فلم يريا به بأسا ، وإني لقاعد عند أبي سعيد فسألته عن الصرف فقال : ( ما زاد فهو ربا ) فأنكرت ذلك لقولهما ، فذكر الحديث : قال : فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عن الصرف فكرهه ، وقد روى الحازمي أنه سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل فقال : حفظتما عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما لم أحفظ ، ورجع عن قوله . وروي أيضا أنه قال : كان ذلك برأيي وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . وقال في المبسوط : روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يجوز التفاضل في هذه الأموال ولا معتبر بهذا القول ؛ فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يسوغوا له هذا الاجتهاد على ما روي أن أبا سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - مشى إليه فقال : يا ابن عباس إلى متى تؤكل الناس الربا ؟ ! أصحبت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما لم نصحب ؟ ! أسمعت منه ما لم نسمع ؟ ! فقال : لا ، ولكن حدثني أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا ربا إلا في النسيئة » فقال : والله لا آواني وإياك ظل بيت ما دمت على هذا القول ، وقال جابر بن زيد - رضي الله تعالى عنه - : ما خرج ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - من الدنيا حتى رجع عن قوله في الصرف ، والمتعة ، فإن لم يثبت رجوعه ، فإجماع التابعين رحمهم الله بعده يرفع قوله . قال محمد بن سيرين : كنا في بيت ومعنا عكرمة فقال رجل : يا عكرمة تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس ، فقال : إنما كنت استحللت الصرف برأيي ، ثم بلغني أنه صلى اللّه عليه وسلم حرمه فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله . ينظر : المبسوط ( 12 / 110 ) ، والزيلعي ( 4 / 86 ) ، والفخر الرازي ( 2 / 358 ) ، النووي على مسلم ( 11 / 25 ) ، ونيل الأوطار ( 5 / 163 ) ، والمغني ( 4 / 123 ) .